الموقع الرسمي لقسم رعاية وتنمية الطفولة الحسينية




الرئيسية » القصص

على قارعة الطريق

  • 1142
خرج من داره حاملاً حقيبة سفره وهموماً أثقلت كاهله... استوقفه على قارعة الطريق جاره العزيز ليودعه داعياً له بالعودة سالماً... فهو وجميع من يسكن المنطقة لا يحتملو نفراقه... غادرهم مودعاً بعد أن ترك له في كل دار يجاوره أثراً ، لم يعرفوا عنه سوى دماثة الخلق وحب المساعدة للآخرين... يجتمع بهم ليعلمهم القراءة الصحيحة لآيات الذكر الحكيم... وهم اعتادوا على سماع تكبيرات الأذان وتراتيل القرآن تصدح بها حنجرته بأطوار مختلفة... ودع جاره موصياً إياه بوالديه المسنين وأطفاله ... التفت وراءه وجال ببصره هنا وهناك ..مساكن بسيطة متفرقة شيدها أصحابها...تطلع الى منزله البسيط فتراءى له ولده العزيز واقفاً خلف نافذة غرفتهم... التي كانت دونِ زجاج !! يرمقه بنظرة مزجت بين حزن الفراق والفخر بشجاعة أبيه... تأمل وجه ولده الصغير مليّاً ليتساءل مع نفسه ماذا لو أصابته (نوبة الإغماء وفقدان الوعي) كما يحدث له بين الفينة والاخرى؟ وماذا لو نفد الدواء الخاص بمرضه وانا لست هنا؟؟... وقف حائراً فليس باليد حيلة، هم أطفالهِ هدية الله في الدنيا وهناك هدية أعظم تنتظره في الآخرة. أطلت ريحانة فؤاده ابنته الوحيدة وقد استوطن الحزن ملامحها الطفولية...تخفي بيدها ورماً بانَ في رقبتها سببه تضخم الغدة اللمفاوية، سبب لها حرجاً من الظهور أمام الآخرين، أما علاجه... فلا يحتاج سوى عملية بسيطة لا يملك الأب ثمنها... طفلاه المريضان أمامهُ قطعا قلبه فحبس بين مقلتيه دمعة كادت أن تخون صلابته، فهو وان كان مقاتلاً صلباً أذاق أعداءَه مـُر الهزيمة والخسران، إلا أن عاطفة الأبوة تجاه أطفاله اتخذت حيزاً كبيراً... في قلبه فرحمة قلبه تختبئ وراء صرامته...  في تلك اللحظات المتسارعة وما زال على قارعة الطريق، ازداد حنينه لطفله الرضيع الراقد في المستشفى منذ أيام ... أبناؤه الثلاثة مرضى ووطنه ينزف من جراحاته فأيهما أكثر حاجة إليه ؟؟  سؤال تردد صداه في أعماقهِ فتزاحمت الأفكار في مخيلته و جعلته في حيرة من أمره ... حتى سمع صوتاً هادراً قطع الحيرة بالعزم والقرار... - أسرع يا - خالد- فرفاقك في الانتظار. لم يكن ذلك الصوت غريباً عليه... فهو صوت زوجته الصابرة جاءت مسرعة من المستشفى لتودع زوجها وتشد من عزمه قائلة:  (( لا تقلق فللأطفال أمهاتٌ ترعاهم وللوطن رجالات ترعاه ... لــِمَ هذا الوجوم يعلو وجهك؟؟ أنسيت إمامنا زين العابدين (عليه السلام)أ لم يكن عليلاً في أرض كربلاء ؟؟  أو سمعت ان الحسين (عليه السلام) ترك قتال يزيد وأعوانهِ ليبقى مع ولده العليل في خيمته ؟؟ أم انه خرج ولسان حاله يقول :  ( تركت الخلق طراً في هواكا   وايتمتُ العيال لكي أراكا) ألا تـذكُر كيف ترك ريحانة فؤاده (فاطمة) وهي عليلة في مدينة جده (صلى الله عليه واله وسلم) واتجه مع أهله صوب كربلاء، تاركاً لمحبيه درساً في هجرة الأحباب لتلبية النداء الأعلى.  اذهب وقاتل حتى تـُقتل في سبيل الله فما يعانيه أطفالك من أمراض أهون بكثير من أمراض أعظم أصابت ضمائر من اؤتمن على أرض العراق وثرواته وشعبه فخانوا الأمانة وخذلوا آمال الشعب... اذهب وناصر إخوتك المجاهدين وامنعوا هؤلاء الجبناء أن يدنسوا بأقدامهم أرض العراق الطاهرة التي تشرفت تربتها بعناق أقدام الأئمة الأطهار عليهم السلام، وأوقفوا مجازر دموية أُزهقت فيها الأرواح البريئة لمئات الأطفال ممن هم بعمر أطفالك الثلاثة )). كلمات زوجته التي نبضت حروفها بالعزيمة والإصرار أيقظته من حيرته وقلقه وزادت من حميته، فيممَ وجهه شطر أبي الأحرار (عليه السلام) يجدد بيعته مردداً ( لبيـــك يــا حسيــن ) عاد ليودع أطفاله مرة اخرى وأسرع ليلتحق بركب المجاهدين متوجهين هذه المرة إلى قاطع جبال مكحول، بعد أن حرروا العديد من الأراضي العراقية، فلم يتوانَ عن متابعة تكليفه الجهادي متعالياً على آلامه وغير آبه بشيء من الدنيا فجـُل ما يرنو إليهِ هو النصر ومن بعده الشهادة.  وهناك في ساحات القتال لم يكتفِ بحمل السلاح ومهاجمة أوكار العدو بل تعداه الى غير ذلك، و لأن الله وهبه صوتاً جهورياً فسخره لقراءة آياته المباركة ودأب على جمع إخوانه المقاتلين في محفلٍ قرآني يـُهدى ثوابه الى أرواح من سبقوهم بالشهادة. واصل الجهاد بقلبٍ مطمئن فمن وراءه زوجة صابرة تركها خير خلف لأطفاله الثلاثة، لم تمنعه جراحاته من مواصلة المواجهة مع العدو حتى فاضت روحه الطاهرة إلى بارئها فخلد اسمه (خالد حمزة) وبكل فخر في سجل المجاهدين والشهداء الذين استجابوا لنداء مرجعهم الأعلى السيد علي السيستاني في الجهاد الكفائي تاركاً أطفالهُ الثلاثة بعين الله التي لا تنام  وأصبحوا الآن في رعاية العتبة الحسينية المقدسة والخيرين من أبناء العراق ليكونوا أبناءً للمرجعية والعراقيين .